كتبت هذه التّدوينة منذ حوالى أسبوع عن رحلتي إلى مصر في فترة الانتخابات، لكنّ الظّروف دعت إلى تأخيرها قليلاً.
نظرة عامة إلى واقع الانتخابات في مصر سواء كان المرء من المستقلّين في مصر، أم من جماعة الإخوان، أم من أحزاب المعارضة، فإنّ صفةً واحدة مشتركة تجمعه مع سائر المواطنين أمثاله: النقمة على الحزب الوطني الحاكم. فكيف إذاً استطاع هذا الحزب، في نهاية المراحل الانتخابيّة الثلاث، تأمين أكثريّة الثّلثين في المجلس؛ مع العلم أنّها الأكثريّة التي تخوّله إجراء التّعديلات اللازمة وسنّ التّشريعات المؤاتية له في البرلمان؟
لقد كشفت المرحلتان الأُوليان من الانتخابات المصريّة عن فوزٍ مفاجىء سجّله الإخوان المسلمون، بلغ 76 من المقاعد. نتيجةً لذلك، دبّ الذّعر في أوساط الحكومة، وعمدت بمساعدة قوّاتها الأمنية إلى تدابير قمعيّة مكّنت من إيقاف هذا السّيل الطّامح إلى المائة مقعد، وحصره باثني عشر فائزاً في انتخابات الإعادة للمرحلة الثّالثة، حتّى بلغ مجموع الفائزين من الإخوان 88 نائباً بالإجمال. ومن هذه التّدابير حملة اعتقالات بالجملة لأنصار جماعة الإخوان المسلمين، وإغلاق المراكز الاقتراعيّة حيث يتمركز مؤيّدو هذه الجماعة وغيرهم من مؤيّدي المعارضة، أو تأخير سير العمليّة الانتخابيّة، أو استخدام مثيري الشّغب المعروفين بالبلطجيّة، وممارسات أخرى. كما قلب الحزب الوطني النتيجة المتواضعة التي حقّقها بأن ضغط على المرشّحين المستقلّين الذين انشقّوا عنه قبل الانتخابات، كي ينضمّوا إليه من جديد، وينضووا بالتّالي تحت لوائه في البرلمان. في هذا السياق، تشير بعض المصادر المجهولة إلى أنّ إشراك الإخوان بهذا الشّكل الملحوظ في العمليّة الانتخابيّة قد تمّ بتدبيرٍ من مبارك نفسه الذي قصد إرسال رسالة مبطّنة إلى الولايات المتّحدة، دون أن يدرك أنّه قد يفقد التّحكم بزمام الأمور إلى هذا الحدّ: "تريدين انتخاباتٍ ديمقراطيّة وأحزاباً متعدّدة؟ فاختاري إذاً ما بيني وبين الجماعة المحظورة!" تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الأحزاب السياسيّة المصريّة تعيش حالة تضعضعٍ ملحوظ: فالأحزاب الملقّبة بالمعارضة، كالوفد والغد والنّاصري، كلّها ضعيفة نسبيّاً ولا تحظى بثقة النّاخب الكاملة. أمّا الإخوان أنفسهم، فليسوا بحزبٍ بل مجرّد جماعة، ولا يحقّ لهم التّرشح للانتخابات إلا بصفةٍ مستقلّة. كما يُمنع على الأحزاب، بموجب الدّستور، أن تحظى بأيّ تواجدٍ في الجامعات والكليّات؛ وبالتّالي، فإنّ النّشاط السياسيّ الوحيد ضمن الأوساط الطّلابيّة مقتصرٌ على الإخوان الذين يمارسون عملهم هذا من منطلق الجماعة لا الحزب. بأيّة حال، على الحكومة الآن أن تطرح ورقة الإخوان على الطّاولة، سواء اقترع لهم الشّعب رغبةً فيهم، أم انتقاماً من الحزب الوطني ورفضاً له لا أكثر. ولسوف يضطر نوّاب الحزب الوطني بدورهم إلى قطع حبل كسلهم، والمشاركة في الجلسات البرلمانية بأغلبيّتهم السّاحقة؛ لأنّ النوّاب ذوي شعار "الإسلام هو الحلّ" قد يتفوّقون على أكثريّة الثلثين الحاكمة إذا فضّل معظمها متابعة نومه الصّباحيّ في السّرير، عوضاً عن منصّات البرلمان.
حوّاء في الزّقازيق
في ظلّ هذه الأجواء، كنت متواجدة في محافظة الشّرقية، وبالتّحديد في عاصمتها الزّقازيق، ومحيطها الرّيفيّ. وقد كنت محظوظة إلى حدّ ما، بخلاف غيري، أنّ الزقازيق خالية من الفنادق، وأعني بذلك فنادق النّجمة والنّجمتين التي استقرّت فيها الفرق الأخرى؛ ممّا اضطرني إلى القيام برحلاتٍ من وإلى القاهرة تبدأ قبيل شروق الشّمس أحياناً إلى ما بعد مغيبها بساعات (بالمناسبة، لم أعد أريد أن أسمع من يقول إنّ الزّقازيق تبعد 45 دقيقة أو ساعة عن القاهرة! بل إنّها ساعتان طويلتان بالتّمام والكمال، تغلي فيها ببطء على أنغام زحمة القاهرة التي تقتات من صبرك بكلّ تلذّذ! وبما أنّنا نتكلّم عن المرور، فاسمحوا لي أن أقول إنّ العمليّة كلّها ضربٌ من الجنون، وأنّ عبور الطّريق محاولة إنتحاريّة حقيقيّة، كدت أذهب ضحيّتها ثلاث أو أربع مرّات!). في الشّرقية، قابلنا عدّة مرشّحين، واقتحمنا أماكن ريفيّة وعرة أشكّ في أن تكون سيّارةٌ قد زارتها قبلاً، وشاركت في جلساتٍ قلّما صادفت فيها عنصراً من الجنس اللّطيف، حيث يعتبر رفض تناول الطّعام والشّراب ضرباً من الإهانة، وحلمت في بعض لحظات الإنهاك بالدشّ المسائيّ الذي سيزيل كلّ أغبرة النّهار. من المرشّحين من كان ذا شخصيّة سينمائيّة، بنظاراته السّوداء وشاربيه المفتولين؛ ومنهم الفلاح الذي أمر لي بزفّة مميّزة؛ ومنهم شبيه زعيم المافيا الذي كادوا يعصبون أعيننا قبل أن يصحبونا إلى "بيته السريّ": بعد أن أبقانا في انتظار، أقبل أخيراً فأمرنا بالنّهوض عن كرسيه المفضّل، وأجلس العائلة المالكة عن يمينه ومساعده الخاصّ عن يساره، وانطلق بالإجابات الملتوية التي لا نهاية لها، بينما أنا أستوقفه بين الفينة والأخرى توسّلاً لوقتٍ أترجم فيه ما لا يحمل جواباً وافياً، باستثناء حمد الله، وامتداح الذّات، وانتقاد البلطجة وإلخ. لا بل إنّ حتّى طلب الإذن للدّخول إلى الحمام احتاج إلى مشاورات واستعداداتٍ مطوّلة!
لا كنتاكي بعد اليوم
عند الغداء، كان كنتاكي متنفسّنا الوحيد، أنا التي لم أتردّد على كنتاكي مرّةً واحدة في حياتي قبلاً! ففي القاهرة، هو المكان الأقرب إلى المكتب، ويعمل فيه طاقمٌ كامل (مهضوم كتير) من الصّم والبكم؛ أمّا في الزّقازيق، فكنّا نلفّ وندور، ثمّ نعود إلى كنتاكي. والمضحك في الموضوع أنّني، وبينما أراجع جدول أعمالنا المضطرب، وأهاتف أحد المنسّقين من المراقبة المحلّية لأؤكّد على موعدنا بعد عشر دقائق مستحيلة (مش مهم، ففي مصر لا داعي للسّؤال: كلّ شيء يستغرق عشر دقائق)، دار بيننا الحديث التّالي: - لازم أقابل مرشّح دلوقت، وبعد ما أخلص منه... - تخلصي منه؟ بالسّكاكين أو بالمسدّس؟؟! - شو؟ آه، قصدي أخلّص معاه! (الملعون! فضل مفتكرها لي طول الرحلة!) - حسنٌ، بعد عشر دقائق، أين أنتم الآن؟ - نحن في كنتاكي، نتناول الغداء. - ولكن... أنا في كنتاكي أيضاً. فألتفت، ويلتفت هو أيضاً. وإذا بنا أمام موقفٍ مضحكٍ فعلاً.
أحلى ساعات النّهار كنت أجلس في المقعد الأمامي من السيّارة، وفريقي المكوّن من فردين في المقعد الخلفيّ. وكم كنت أضحك عليهما حين يضطر المنسّق إلى مرافقتنا معظم الوقت، فيتكدّسون جميعاً كما في علبة سردين، ويتناوبون على من يجلس في الوسط. أمّا إلى يساري، فالسّائق المؤمن بالمقولة التّالية: "إذا كان المشي نصف الجدعنة، فالجري هو الجدعنة كلّها." فما إن يسمع عن أدنى إشاعة حول إطلاق نار أو حوادث شغب حتّى يتوقّف بعنادٍ ويرفض المتابعة. كما يتّهمني دائماً أنّني أسعى إلى قتله وقتل الفريق كلّه. ولا ينفكّ يردّد على مسامعنا كلّ صباح: "النهاردة آخرتنا! إنت حتودّيني في داهية!" في اليوم الانتخابيّ، وبينما كنّا في كافيتريا مجاورة لمركز انتخابيّ قد فرغنا من تفقّده، تلقّيت منه اتّصالاً: "العربيّة.. خناقة.. حجارة... أنا جريت... أنا حامسح الزقازيق دي عن الخارطة المصريّة!" يا لمسعد ودمه الخفيف، خاصّة عندما أقابله بعقليّة لبنانيّة مفادها: "هيدي ما شي، إنّها مجرّد قنبلة، تابع!" لكنّني لن أتصنّع الشّجاعة طيلة الوقت. فأعترف أنّ التّجمعات هالتني ذات مرّة حول إحدى اللّجان المقفلة، وأحسست أنّنا سننسحق إذا لم ننسحب في الحال. لكنّ التّجمّعات كانت في بعض الأحيان مسلّية، خاصّة عندما تبعتني سريّة من الأطفال عبر القرية بأكملها، ومنهم بنت اسمها دينا، لها مستقبل زاهر، لا سيّما وأنّنا نتشاطر المبدأ نفسه: "البنات حلوين والولاد وحشين!". وقد وددت مراراً أن ألتقط صوراً لهم وللرّيف المصريّ، لكنّ مجرّد إظهار الكاميرا أمام العلن، في ظلّ هذه الأجواء المشحونة، يؤمّن لك تذكرةً سريعةً إلى المستشفى. فاكتفيت بالقليل طبعاً.
خلّي الجمل للجمل
تجدر الإشارة إلى أنّ لكلّ مرشّح رمزٌ معيّن، يستعين به النّاخب الأميّ ليعرف مرشّحه. وبما أنّ الحكومة توزّع الرّموز بنفسها، فقد أبقت لمرشّحيها الرّموز المحترمة كالجمل والهلال، ووزّعت الرّموز المضحكة على بقيّة المرشّحين، كالهاتف والمسدّس والسلّم واللّمبة... في هذا السياق، أذكر جملةً سمعتها من إحدى النّساء في الشّارع مرّةً عن مرشّّح الحزب الوطني، وقد أعجبت زميلي كثيراً: "خلّي الجمل للجمل". وينقسم المرشّحون إلى عمّال وفئات (بما معناه فلاحين وموظّفين). وقد دفع إدراج بعض العمّال ضمن اللوائح الانتخابيّة كمرشّحي فئات، وبالعكس، إلى خسارة بعض المرشّحين لأصواتٍ عديدة، وتقديمهم شكاوى في المحاكم، فتقديم المرشّحين الرّافضين لذلك استشكالاً على هذا الأمر (تخيّلوا بقى موقفي وأنا أصغي إلى المرشّح يتحدّث عن الاستشكال القضائيّ، وأنا أتساءل في سريّ: يا ربّي، شو هالاستشكال المضروب على قلبه هيدا، شو بدّي ترجمه هلّق!).
في القاهرة آخ، لم أخبركم عن الجنرال ملوخيّة بعد (نعم، هذا اسمه الحقيقي!) بس بيكفّي حكي بقى! كانت لي أيضاً جلسات مع بعض المدوّنين في القاهرة. وقد استمتعت بقراءة تعليق علاء عن الموضوع (وعلاء من النّوع الذي لا يقدر ألا أن يكون جنتلمان مع السيّدات، مهما حاول أن يمنع نفسه)، كما أنّ تعليق أ.ز. أضحكني وفاجـأني أيضاً، خاصّة حكاية إنّها ما كنتش طايقاني دي. وبعدين، والله ما كنت حزينة :) (مع أ.ز.، يُدقّ باب غرفتي، وإذا بأحد العاملين في الفندق يسلّمني دبدوب، مع شوكولاتة ووردة وبطاقة تقول: أنتظرك في الأسفل! يا بنتي، لو كنتِ شبّ، كنت انغرمت بالرّومانسيّة بتاعتك دي!) أمّا رحاب وألكسندرا، فأنا وعدتهما أنّني سأفضحهما من كتر الحديث عن السياسة المصريّة، بس حاصون لساني المرّة دي يا بنات :)! لا بس بجد، كانت فرصة سعيدة قوي إني التقيت فيكم كلكم :) والتّجربة المصريّة كانت مغامرة مهنيّة رائعة وفريدة من نوعها (بالمناسبة، إذا احتاج أحد إلى مرشد سياحيّ في الزّقازيق، لا تنسوا الاتّصال بي!)
|
Glad you had nice time here in Egypt, and sad I didnt meet you ... As we say here, eldonia so3'ayyara, and meseer el7ay yetla ya eve!