mysteriouseve
هنا، ألوذ في هدأة هذا الليل براحةٍ من قيظ النّهار. هنا، أحوك في الفكر خواطر، وأولّد على الشّفة بنات. هنا، ابتسامات حنين ترجّع صدى طفولةٍ نائية، وقصص حبّ طواها الزّمن. هنا، حلمٌ بغدٍ أجمل
تُراقِصُني؟

يقترب نحوها من آخر زاويةٍ في القاعة. يقترب باندفاع. يشقّ طريقه وعيناه منصبّتان على ذلك الجسد المتكاسل فوق مقعدٍ، وسط مجموعةٍ من السّاهرين. يخال أنّهم جميعاًَ يختلسون النّظر إليه. يخال أنّهم يتضاحكون على عرجه وطريقته الفاضحة في السّير، وأنّ نظراته الحافلة بالغيرة تبعث فيهم شيئاً من التّسلية. لكنّه رغم ذلك، يتقدّم... نحو ضحكتها الرّنانة، نحو شفتيها المكتنزتين، نحو حتفه المحتوم، يتقدّم بكلّ ثبات.

يتوقّف فجأةً. يتذكّر أنّه مملّ... أنّه بغيضٌ ولا يحسن الرّقص. يتذكّر أنّه لا يعرف إلا الثّمالة والنّوم على عتبات أبواب موصودة. وأنّه يتيم، لا ذاكرة انتماءٍ له، ولا حضناً إليه عاد يوماً. يعرف في قرارة نفسه أنّه، أمام النّساء ذوات الفساتين الحمراء، يمسي ظلاً أسود، قبيحاً. فيترك أهدابه تنسدل بانهزام. يترك الهزيمة تنهمر عليه وحلاً لزجاً، يخترق فروة رأسه، ليخرج من منخريه وأذنيه وكلّ فتحةٍ أخرى في جسده؛ يخرج دماً نتناً يبصقه بلا هوادة، ممزوجاً بقيئه وضعفه وأصوات ضحكاتٍ لا تنفكّ تتعالى. يفتح جفنيه ثانيةً. وحده الغبار، وخيوط أسراب العناكب، كانت تعشّش بين أصابعه وفي قلب الأظافر.

فجأةً، رآها تنهض عن مقعدها. أرسلت في ناحيته همسةً واحدةً. واحدة فقط. ثمّ أدارت المسجّلة على لحنٍ غريبٍ، قادمٍ من مجاهل غاباتٍ همجيّة. لا يعرف حقّاً. لم يفهم. وفي وسط القاعة، خطفت شالاً أخضر اللون من على كتف امرأةٍ مجهولة، ثمّ تركت جسدها يتمايل بدلال. أثارت انحرافاتها النّارية امتعاض بقيّة النّسوة، لا سيّما وأنّ الأوان لم يكن أوان رقصٍ قطّ. ولكن بدا له أنّها كانت في مكانٍ آخر، تبحث عن شيءٍ ما، عن فراشةٍ في بيتٍ مهجور، أو وطنٍ تأخّر ولم يأتِ في موعده. شيئاً فشيئاً، تصير حركاتها أكثر عنفاً، وتخبّط بكعبها على الأرض، كأنّما تسحق قلبه العفن تحت قدميها، أو قلوباً كثيرة مثله اغتصبتها مراراً وتكراراً. أو ربّما كانت هي المغتصَبة في كلّ مرّة، ولا من يدري. شعرها المعقوص يتحرّر فجأةً من أسره، ويروح يتنفّس بعشقٍ فوق كتفيها، فيما الخصلات تضرب على وجهها بكلّ قساوة. لمن ترقص صاحبة الفستان الأحمر؟ لعيون الغرباء الحافلة بالرّغبة، أم لقلبه التّائه عن دربه، أم لآثامٍ متناسلة في أزقّة الذّنوب؟ لمن ثورات هذا الجسد، وأنين القدمين اللتين تعرّتا من حذائهما، والأهازيج المنتفضة على امتداد الذّراعين وفي أطراف الأصابع... لمن؟ ولماذا ترقصين يا ليلاً لا يشبع، وصبحاً لا يُقبل؛ يا صمتاً لا يُحصى، ولعنةً لا تهدأ؟ أما فات أوان الرّقص بعد؟

بحلول ذلك الوقت، كانت قد دخلت في حالةٍ من الخدر اللّذيذ، تداخل فيها اللّحن بالحركة، والحركة بالرّوح، فأصبحت هي النّغمة وهي الشّدو، تعلو تارةً لتعانق الثّريا، ثمّ تهبط فجأةً في التواءاتٍ متكسّرة. صارت كلّ لفتةٍ من لفتاتها تحكي قصّة وجعٍ قديم، عن قومٍ أحبّوها حتّى قتلوها حبّاً، وتنازعوا عليها حتّى نهشوها ورموا لحمها للكلاب. لم يرَ في حياته امرأةً ترقص بمثل هذا السّحر قبلاً؛ لم يبصر رقصاً يقطر دمعاً، ولا شهد جسداً يذرف ورداً وشوكاً في آنٍ قبلاً قطّ... لم يعرف وطناً تجسّد في امرأةٍ، ولا امرأةً صارت هي الوطن؛ ولا عرف حرباً اندلعت في حلبة الرّقص، ولا تمايلاتٍ اخترقت الأفئدة الضّريرة، كما عرفها مع صاحبة الفستان الأحمر. في هذا المكان وهذه اللّحظة بالذّات. همست له ثانيةً. كانت لغةً غريبة، قادمة من مجاهل غاباتٍ همجيّة، لكنّه فهم كلّ كلمةٍ من ندائها. وصارت الهمسات تعلو: لقد كانت تدعوه للرّقص.

لوهلةٍ، نسي أنّه أعرج، وأنّ له في السّير طريقة فاضحة. نسي أنّه ظِلّ، وأنّه مملٌّ وقبيحٌ ولا يجيد الرّقص. نسي كلّ ذلك، وتقدّم نحوها ليسجّل انتماءه الأوّل والأخير.
18 Comments:
  • At 21/1/06 11:55 م, Blogger Rose said…

    ايف
    باحس اوقات - مش دايما الحقيقة - بالغموض في كتاباتك ويمكن عشان كدة باحبها قوي لانها في النهاية بتتحس
    مش عارفة ليه وانتي بتوصفي احساسه بنفسه فكرتيني برواية العطر لزوسكيند
    الفاظك وتعبيراتك جميلة

     
  • At 22/1/06 12:20 ص, Blogger hillz said…

    "وتقدّم نحوها ليسجّل انتماءه الأوّل والأخير.
    "
    الأخير؟ متأكدة؟ ما في شي ثابت بهالحياة ما هيك؟
    رغم هيدا عاجبتني.. بسترجي قول لأ؟
    :)
    لأ عن جد.. كتير حلوة

     
  • At 22/1/06 5:08 ص, Anonymous غير معرف said…

    وااااااااااو ما أروعها

     
  • At 22/1/06 1:06 م, Blogger Eve said…

    روز،
    أهلاً بحضورك أخيراً، وشكراً على إعجابك بكتابتي المتواضعة :)
    رواية العطر رائعة! لكن أظنّ أنّ بطلنا هنا أقرب إلى ضياع هيثكليف عن نفسه "مرتفعات وذرنغ" من دمار جان باتيست وميله الإجراميّ. جان باتيست منبوذ، لكن صاحبنا ظنّ أنّه منبوذ، أو ربّما هو نبذ نفسه.

    هلال،
    طبعاً يمكن أن تقول لا. ما عندي مشكلة.
    صحيحٌ أنّ الأشياء في تغيّر دائم، ولكن هناك من الثّوابت ما لا يمكنك أن تتخلّى عنه، وإلا فقدتَ ما يعرّف عن هويّتك.

    لا أعرف إن كنت قد انتبهتَ إلى رمزيّة الألوان: الأخضر الذي يفترض أن يكون ملتفّاً عند الخصر أو الوسط، والأحمر من كلتا الجهتين؟ الأوطان الضّائعة ترقص ألمها، لأنّ المنتمين إليها ينظرون إليها من بعيد، يتأمّلون اشتهاء الغرباء لها، ويظلّون متردّدين لأنّهم لا يعرفون الرّقص. من المخزي أن تنتظر حتّى يناديك الوطن كي تسجّل له انتماءك الأخير.

     
  • At 22/1/06 2:24 م, Blogger hillz said…

    "من المخزي أن تنتظر حتّى يناديك الوطن كي تسجّل له انتماءك الأخير"
    حملتي ردي أكتر ما بيحتمل!لقد تعاملت مع النص كنص أدبي لاأكثر بعيداً عن الرمزية التي أشرت إليها
    :(

     
  • At 22/1/06 2:33 م, Blogger IronMask said…

    يقول محموددرويش "آه من وطن في جسد".

    فكيف حين يتجسد الوطن في امرأة، لعلّي سأقول: " آه، من وطن في امرأة"

    أيف، تقولين انك متعبة من هذا المكان وانك ستغيبين عنه لفترة لكن سرعان ماتعودي لتمطرينا بهذه الكلمات التي تعلن عن نفسها : جميلة, رشيقة، انيقة

     
  • At 22/1/06 3:18 م, Blogger Eve said…

    هلال،
    أجهل لماذا اعتبرتَ أنّك المقصود بكلامي. ضمير المخاطب لا يمثّلك أنت، بل كلّ من يساوره الشّك حيال انتمائه (يعني إذا بدّك: من المخزي أن ينتظر المرء...). أتكلّم عن البعد الذي أريد أن أوجّه القارىء نحوه، وقد كتبت هذا النّص لأجل تلك الرّمزية بالذّات. لم أخرج عن الموضوع، لأنّ هدفي هو التّأكيد: نعم الانتماء الأخير للبنان ينبغي أن يكون ثابتاً، وإلا راحت عالبلد. على العموم، آسفة إذا أزعجك جوابي السّابق.

    آيرون ماسك،
    "وطن في امرأة"..
    كانت أفكاري تجول حول هذه الجملة كعنوان.
    ما زلت متعبة، وغير راضية، وأمامي شوطٌ كبير لبلوغ الاستقرار...

     
  • At 22/1/06 4:01 م, Blogger hillz said…

    ok...
    أنا شوي مقلقز هالأيام..
    يسلمو كتير على اهتمامك..
    وكلامك عن لبنان أكيد "ثابت" ما بدها نقاش!

     
  • At 22/1/06 4:21 م, Blogger DareDevil said…

    nice post :)

     
  • At 22/1/06 4:42 م, Blogger Tara said…

    الأوطان الضّائعة ترقص ألمها،
    لأنّ المنتمين إليها ينظرون إليها من بعيد، يتأمّلون اشتهاء الغرباء لها، ويظلّون متردّدين لأنّهم لا يعرفون الرّقص. من المخزي أن تنتظر حتّى يناديك الوطن كي تسجّل له انتماءك الأخير


    واااااااااو

    اعترف اني ما حسيت المعنى الا لما شرحتيه و هذه السطور ذكرتني ببلدي ..

    سؤال برة الموضوع :انتي ناوية تغيبي لو شنو ؟

     
  • At 22/1/06 5:24 م, Blogger Eve said…

    Daredevil,
    glad you liked it :)

    تارا! مشتاقين :)
    لأ، مش ناوية أغيب. أحياناً أكون متواجدة في المدوّنة الأخرى. لكن لا الحضور يعزّيني ولا الغياب يشفي غليلي (بارجع هون لقصّة الكذا بطيخة بإيد واحدة) يلا هانت..

     
  • At 23/1/06 2:36 ص, Anonymous Bluesman said…

    سلام
    اكيد ان لكل انتماءه والمهماولا واخيرا ان يكونهذاالانتماءللجمال قد يتجسد ذلك في امراةاو وطن او حتى في مدونة
    وانا اقراقمت بعمل ما يشبه سيناريو تخيلت المكان والناس والفتاة والرجل
    كل حرية يجب ان تنطلق من الجسد والرقص احد المنافذ المتاحة

     
  • At 23/1/06 3:15 م, Blogger Jamal said…

    Beautiful!
    It's encouraging to see that there are other people living here and fantasizing about Lady Lebanon as opposed to those in lines for Visas.

     
  • At 23/1/06 8:56 م, Blogger hillz said…

    i have a technical question:
    how do u make ur text justified? do u use a special program? i mean the arabic text afcourse!

     
  • At 23/1/06 9:50 م, Blogger Eve said…

    ريحان،
    كنت أتخيّل المشهد أيضاً. كان هناك موقد نار، ومرآة طويلة، وأزهار كثيرة، لم يتوقّف أحد ليتنشّقها..

    Jamal,
    Beautiful? Am I seeing clearly? You mean there is no critical implications hidden in your comment? :p

    thx btw :)

    Hilal,
    when you write your text, align it to the right. Then go to "Edit Html". You'll see something like:
    div align="right"
    Between div and align, insert:
    dir="rtl"
    ya3neh:
    div dir="rtl" align
    Then of course, you can use the justification button.
    And there you go, say goodbye to full stops at the beginning of the lines! :)

     
  • At 24/1/06 4:29 م, Blogger Jamal said…

    take the praise and run ya benteh before i change my mind.

     
  • At 5/2/06 12:13 ص, Blogger sabrina said…

    hi eve
    very touchy but i think you know that woman and her pain,so pretty story

     
  • At 15/2/06 12:25 ص, Anonymous the master said…

    hi eve
    u have a wonderful style and a lovely blog that shows the true nature of the human soual sspecially in a country that have so much complicated demography like lebanon.
    keep it up
    have fun
    yours the master

     
إرسال تعليق
<< Home
 
About Me

Name: Eve
Home: Beirut, Lebanon
See my complete profile




Who Are You?

Free Guestmap from Bravenet.com Free Guestmap from Bravenet.com

الموووود

My Unkymood Punkymood (Unkymoods)

بعضٌ منّي... بعضٌ منهم
هفوات مبارح
هفوات بعيدة

على الرّف

dominique

Powered by

15n41n1
BLOGGER