mysteriouseve
هنا، ألوذ في هدأة هذا الليل براحةٍ من قيظ النّهار. هنا، أحوك في الفكر خواطر، وأولّد على الشّفة بنات. هنا، ابتسامات حنين ترجّع صدى طفولةٍ نائية، وقصص حبّ طواها الزّمن. هنا، حلمٌ بغدٍ أجمل
بعد أسبوع
على عكس ما قد يتوقّعه البعض، لم أزر الضّريح بعد. قد يكون هذا مدعاةً للغرابة، لا سيّما إن ذكرتُ أنّ دقائق معدودة بالكاد تفصل هذا المكان عن منزلي، سيراً على الأقدام. لا أدري ما هو السّبب. لعلّه الاعتقاد أنّ الرّؤية بالعين المجرّدة ستركّز، بالدّليل القاطع، ما يبقى الذّهن عاجزاً عن استيعابه. وهذه لحظة أحاول، قدر استطاعتي، أن أعاكس الأحداث وأؤجّلها، ولو إلى حين.

الليلة، كنت في تلك الأنحاء.
الليلة، وقع نظري على المَشاهد، كما تراها من خارج علبة التّلفزيون.
عندما تتسمّر أمام الشّاشات، يخال جزءٌ ما في داخلك أنّه يطلّع على أحداثٍ بعيدة، من زمنٍ آخر، يشبه زمن أفلام الرّعب ومشاهد العنف والحرب القديمة. عبثاً، يقول لك المراسلون الإخباريّون أنّ ما حدث إنّما حدث عند منعطف حياتك، على قابي قوس أو أدنى من مسرح حياتك اليوميّ. فتهزّ برأسك، وتخال أنّك فهمت، ولكنّك أبداً لا تفهم.

الحفرةَ العميقةَ لمحتُها. كان الليل قد خيّم قبل ساعتين أو أكثر، ولكنّني لمحتها. كغول أسود يربض في كهفه، ويتحيّن لحظة يغير على جمهور السّائلين الذين أتوا، مثلي، كي يصدّقوا. بعض من أشلاء السّان جورج ما زالت متناثرة على الأرض، كجثّةٍ لا يجرؤ أحدٌ على مسّها. تكاد بنيته الأمامية تتداعى، ولا من يرجّع صداها إلا الأبنية المقابلة، المشوّهة هي الأخرى. فندق فينيسيا عارٍ من زجاج نوافذه. ونسيم الليل باردٌ هذه الأمسية. وهو "بردان". غطّوه بحرامٍ بنيّ طويل يمتدّ من أعلى سطحه إلى بابه الأسفل؛ أحاطوه بالألواح الخشبية من كلّ جانب. لكنّه بقي شاحب اللون في نظري. حتّى "كافيه موندو" نفسه مريضٌ هو الآخر. ممنوعٌ على أحد أن يخترق نطاق الجريمة. كلّ شيءٍ هناك ما زال على حاله. حتّى السيّارات التي مضى على ركونها أسبوعٌ تقريباً. تفكّر: "هنا، حدث كلّ شيء... من هنا، مرّ الموكب. والرّكاب كانوا يتبادلون أطراف الحديث عن الجلسة البرلمانية الأخيرة على الأرجح. بعض الأشخاص يخرجون من المصرف البريطانيّ، ومشاةٌ يعبرون الطّريق، فيما آخرون فضّلوا التّنزه تحت شمس شباط التي تفاجئك، أحياناً، من بعد طول غياب..." وفجأةً، يصدح الدّويّ. تنتهي الحكاية. وينتفض الغول الأسود من باطن الأرض.

عودوا إلى بيوتكم. ماذا تنتظرون، لقد انتهت الحكاية!
في الواقع، ننتظر ريشة رسّام. قلم تلوين. عشباً أخضر. ننتظر من يردّنا بالزّمن يوماً واحداً إلى الوراء. لا ندري حقيقةً ما ننتظر... نمتثل لما أمرتنا به أنفسنا. نعود أدراجنا. نوقّع على العريضة. نشعل شمعة. إلى الجانب، نقع على صورة لفتاة حلوة، اسمها ريما بزّي. ما زالت حلوة، لكن في الصّورة فقط. ثمّ حَلقة من أجل باسل فليحان، الرّمق الأخير أو الخيط الرّفيع الباقي، وحده، بعد ما جرى. ونبقى نسير، حتّى نبتعد عن ذلك المكان؛ نوليه ظهورنا ونبتعد مدبرين، عسانا لا نراه كلّما أغمضنا أعيننا، أو أشحنا عنه الأبصار.

لن نزور الضّريح اليوم. دعنا نعود إلى البيت.
6 Comments:
  • At 21/2/05 3:37 ص, Blogger rayhane najib said…

    سلام
    شخصيا أكرة زيارة المقابر فرائحة الموت تخيفتي
    أما عن مكان الحادث ففي رأي أنك أحسنت صنعا بزيارته ففي جميع الأحوال رؤية الدمار أخف بكثير من من ابقائه في الذهن كمجموعة خيالات وصور ستظل تطاردنا مثل شبح
    كما أن زيارة مكان الفاجعة أكبر دليل علي أن ليس هناك اي مجال للنسيان
    من الضروري تجاوز الألم لكن لا يجب ابدا نسيانه حتى لا ندفع لا قدر الله نفس الثمن مرة أخرى
    سعيد دائما بقراءتك

     
  • At 21/2/05 2:57 م, Blogger Hamuksha said…

    جربت ذلك مرة؛ أتوبيس نقل عام كان يقل عشرات العائدين من وظائفهم والذاهبين للإفطار عند أقاربهم قبل مغرب رمضاني، على نيل المعادي، منذ عام وبضع عام. جلست على الرصيف المقابل، المقدمة ملتوية تماما، مفككة الأوصال، الدماء متجمدة على الهيكل، مطرح السائق منطو على آلام لا نعرف كنهها، باقي الهيكل محترق ومهشم، رائحة ثقيلة طازجة للموت. فرامل الأتوبيس كانت معطوبة ومع ذلك سمح مديرو المحطة بخروجه. ربما كان موتا أقل عنفا وبذاءة من موت قافلة بيروت. ربما كان الفرق بين العبث والرعب.

     
  • At 21/2/05 8:04 م, Blogger linalone said…

    HI,
    moi aussi, je n'ai pas encore visite la tombe de Mr Hariri, ni le lieu ou a eu lieu l'accident. Rien que de le voir a la tele ou bien dans les journaux, me fait mal au coeur et me donne l'envie de pleurer. Cela m'ecoeure. je ne sais pas par ailleurs a quoi cela va t il servir? Rafic est mort et la crise est la. J"AI PEURRRR

     
  • At 21/2/05 11:12 م, Blogger Eve said…

    ريحان، صدّقني زيارة أمكنة الحوادث أشقّ على النّفس من زيارة المقابر. فرغم كلّ شيء، المقابر سكون ورضوخ وروحانيّة ونقطة نهاية، فيما الأطلال والآثار المدمّرة فوضى نفسيّة ومصدر لا ينضب لعلامات استفهامٍ مؤلمة.

    حمكشة، ربّما موت حافلة النّقل العام لم يلقَ الصّدى نفسه الذي لاقته جريمة بيروت، كما تقول، وربّما هناك فرق كبير بين الإهمال من ناحية والتّخطيط الحافل بالحقد من ناحية أخرى، إلا أنّ الأكيد هو أنّ الموت، بسائر أحواله، هو فعلاً الوحش الذي لا يمكن للإنسان أن يتوقّعه أبداً، مهما فعل.

    Linalone,
    Les images de la misère humaine, et ces images surout, seront toujours là pour planter la tristesse dans notre coeur. Je ne sais pas comment te le dire, sans ces "grandes paroles" qui sonnent à tort et à travers, mais surpasser la peur est notre plus grand défi, et je suis absolument sur que c'est nous qui vainquerons. La crise, ce n'est pas la mort de Rafic Hariri, bien que ce soit un véritable choc, mais c'est notre propre réaction face à cela. c'est cette réaction qui déterminera le genre de patriotes que nous sommes.

     
  • At 23/2/05 1:35 م, Blogger Farooha said…

    أنا شخصيا ً لا أؤيد زيارة لا المقابر ولا أمكنة الحوادث... كلاهما مؤلمتان.

    إلا إنني يا حواء أستطيع تفهم الشعور الذي انتابك و اللبنانيون جميعاً. عندما يحدث لأي شخص حادثة ٌ مريعة, يضل في محاولة صد الحقيقة.. و أنا أتحدث عن خبرة و قد يضل صادا ً لشهور و قد تصل لسنون.
    الله يحفظكم, فعلا ً شعب جبار و مناضل و تستحقون كل خير

     
  • At 23/2/05 2:52 م, Blogger Maldoror said…

    Hey, nothing really matters! It's sad, that's true, maybe one day we will discover that he hasn't died in vain. Hopefully! As for going there, well, I don't advise u much, because it is still too crowded! He hasn't rested in peace just yet!

     
إرسال تعليق
<< Home
 
About Me

Name: Eve
Home: Beirut, Lebanon
See my complete profile




Who Are You?

Free Guestmap from Bravenet.com Free Guestmap from Bravenet.com

الموووود

My Unkymood Punkymood (Unkymoods)

بعضٌ منّي... بعضٌ منهم
هفوات مبارح
هفوات بعيدة

على الرّف

dominique

Powered by

15n41n1
BLOGGER